شعار وهج
مقالات

المشوق إلى القراءة

personفريق المركز الإعلامي · جمعية وهج الثقافية calendar_month4 يوليو 2026 schedule7 دقائق

العزوف عن القراءة والركون إلى الألقاب والشهادات

نرى عُزُوف كثير من طلبة العلم عن إيلاء كتب العلم مكانتها وإنزالها منزلتها، حيث اشتغلوا عنها بغيرها.

فجماعة منهم ظنوا أنهم قد بلغوا من العلم مالا يحتاج معه إلى مزيد قراءة واطلاع، فقنعوا بما أحرزوه من ألقاب !! وشهادات!! ومناصب ووجاهة!!.

فما هو إلا أن حاز اللقب حتى أعرض عن الطلب، وقد كان يدَّعي العكس، يقول: دعوني أضع هم (اللقب) ثم أُمعن في الطلب! فما باله انقلب ؟!!

وياليته وقف هنا فحسب؛ لكنه اتكأ على أريكته وعرض الوساد وتنمَّر على العباد وانسلخ من طلب العلم إلى طلب الدنيا، فأصبح اللقب حينئذ خديعة يخدع بها المرء نفسه وغيره.

لو كانت الألقاب تؤخذ عن أهليَّة واستحقاق، لهان الخطب وانقطع الخطاب، لكن العكس هو الواقع، فأصبحت أحيانًا تباع وتشترى، وأحيانًا تعطى لبحوث هزيلة، وأحيانًا لبحوث منقولة عن غيرها، وهكذا في سلسلة نكدة من التخاذل العلمي، فهل يوثق بعد هذا بشهادة أو لقب؟!.

لكن بعض الصالحين لم يستطع التخلص من ضغط الواقع في اعتبار هذه الألقاب السحرية كل شيء، فمع يقينه أنها لا شيء إلا أنه - دائما - لا يستطيع أن يكتب اسمه دون أن يسبقه بـ (اللقب)!.

والله لو وضع قبل اسمه ماشاء من ألقاب وشارات لما أغناه ذلك شيئًا! ولكنه اللقب، فمتى سُلب سلب معه كل شيء.

وبعض هؤلاء يعبر بطريقة أخرى، فحالما يحصل على شهادة اللقب إلا ويسارع بوضعها في مكان بارز في مكتبته محاطة بإطار جميل، ولسان حاله يقول: لله أبي! لقد بلغت مرتبة الراسخين!!.

وكم من شهاداتٍ يَغُرُ جمالها

وقيمتها النقش الذي في إطارها

ثروة الأجداد الثقافية وواجبنا نحوها

إن الناظر في سِيّر العلماء يَخْلُص إلى حقائق مهمة ونتائج واضحة، منها: معرفتهم بقيمة هذه الثروة الهائلة  والكنوز العظيمة، لذا فقد أولوها عناية فائقة وجهودًا ضخمة ظهرت في صور عديدة.

إن من واجبات أهل العلم اليوم تبصير النشء بأهمية هذا التراث الذي خلفه الأجداد، فهو عُصارة عقولهم لقرون عديدة، وثمرة جمعهم و سهرهم لآماد مديدة.

إن من واجباتهم - أيضًا - النهوض بهذا التراث، والحفاظ على هذه التركة التي لا يقدرها قدرها إلا هم ولا يستطيع الحفاظ عليها حقا إلا هم.

إن الحفاظ على هذه الثروة لا يكون بمجرَّد رَصفها في خزائن أنيقة، ولا بترتيبها وتزويقها وتنميقها ولا بنشرها،وتحقيقها، كلا! ليس بذلك فقط.

خير وسيلة لحفظها، وأنجع طريقة للحفاظ عليها هي: بعث الحركة العلمية وإنمائها وإيقاظ الهمم وإعلائها، بحيث نضيف كل يوم إلى صفوف القراء والقراء حقا) عددًا جديدًا، يعكفون عليها ويستجلون فوائدها.

بهذه الطريقة، وبها وَحْدَها تنمو وتكتمل كل الوسائل المساعدة من خَزْن ورَصْفِ ونَشْرٍ، وسيسعى طلاب العلم ورواد المعرفة حثيثاً تُجاه إنماء كل ذلك بدافع ذاتي واقتناع شخصي؛ لأنهم أصبحوا ساعتئذ في أمس الحاجة إليها، ومن أعرف الناس بقيمتها .

فيوم كان العلماء يتنافسون في اقتناء الكتب، ويتبارون في تحصيلها واستنساخها، ويعكفون على قراءتها وإقرائها؛ نشطت حركة التأليف والنسخ، بل وجميع ضروب خدمة الكتاب.

فإذا أوجدنا القرَّاء وُجد معهم كلُّ شيءٍ، وإلا فقل لي - بربك: ما قيمة كل تلك الوسائل ولا مستفيد ولا راغب ولا طالب !!؟ .

إنَّ ضعف الهمم عن القراءة وطلب العلم كان سببا رئيسا في ضياع جزء ليس بالقليل من هذه الثروة كما كان للجهل، وعدم الوعي بقيمتها، وانتشار الحروب والفتن = آثار أخرى لا يستهان بها .

وقد أنحى الإمام ابن الجوزي (۵۹۷) - رحمه الله ـ باللائمة على ضعف الهمة في اندثار كثير من كتب العلم: قال: كانت همم القدماء من العلماء عليَّة، تدلُّ عليها تصانيفهم، التي هي زبدة أعمارهم، إلا أن أكثر تصانيفهم دَثَرت ؛ لأن همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات ولا ينشطون للمطولات، ثم اقتصروا على مايدرسون به من بعضها، فدثرت الكتب ولم تُنسخ اهـ .

وسنفقد المزيد من هذا التراث إذا نحن انسقنا أمام تلك الملهيات وشغلتنا تلك الصوارف ببريقها وبهرجها، فيالها من خسارة فادحة وغين عظيم !! فهل يجوز لطالبِ علم أن يكون مُعِينا - ولو بأقل القليل - على ضياع شيء من هذا التراث ؟! . كلا!! .

حال الصحابة في الازدياد من العلم

لقد لحظ الصحابة ما كان عليه قدوتهم (صلى الله عليه وسلم) من حرص على العلم، فاقتفوا أثره، وضربوا أمثلة نادرة في الحرص عليه والتفاني من أجله.

فهذا عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - كان إذا تلى قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) قال : «اللهم زدني عِلْمًا وإيمانا ويقينا».

وقد بلغ - رضي الله عنه - من شدَّة اجتهاده وطلبه أن قال: والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورةً من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبتُ إليه .

وهذا أبو هريرة - رضي الله عنه - حافظ الصحابة يصفه بالحرص على العلم، فقد عقد البخاري في صحيحه: (باب الحرص على الحديث) وذكر فيه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه ـ وسؤاله النبي ﷺ أسعد الناس بشفاعته؟ وقوله له : (لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ  َأوَّلَ منكَ ، لما رأيتُ من حِرْصِكَ على الحديث).

قال البدر العيني في عمدة القاري: «فيه الحرص على العلم والخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض ودقيق المعاني؛ لأن الظواهر يستوي الناسُ في السؤال عنها؛ لاعتراضها أفكارهم، وما لطف من المعاني لا يسأل عنها إلا الراسخ فيكون ذلك سببًا للفائدة، ويترتب عليها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة اهـ.

وهذا جابر بن عبدالله الأنصاري - رضي الله عنهما - يرحل من المدينة النبوية إلى مصر - مسيرة شهر على البعير - من أجل سماع حديث واحد، خاف أن يموت ولم يَسْمَعْه.

عن عبدالله بن بريدة: "أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فَضَالَة بن عُبيد وهو بمصر، فقدمَ عليه، فقال: أما إني لم آتِكَ ،زائرا ولكن سمعتُ أنا وأنت حديثاً من رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم".

عدَّد الحافظ في «الفتح» أمثلة ثم قال: وتتبُّع ذلك يكثر.

وقد ألف الخطيب كتابه الرحلة في طلب الحديث فيمن رحل في طلب حديث واحد.

نهم السلف وحرصهم على العلم

تلاميذ ابن مسعود - رضي الله عنه - في الكوفة - علقمة والأسود وغيرهم - كانوا إذا سمعوا الحديث والعلم من شيخهم، لم يشف ذلك ما في صدورهم من النهمة فيرحلون إلى المدينة طلبًا للعلو، وزيادة في التثبت وإمعانا في الطلب والتلقي من أفواه العلماء.

قال يحيى بن سعيد القطان: مارأيتُ أحفظ من سفيان الثوري (١٦١)، كنتُ إذا سألته عن مسألة أو عن حديث ليس عنده؛ اشتدَّ عليه.

لم يقف العلماء في طلبهم عند حد محدود، بل استوعبوا قدر الاستطاعة والطاقة، فضربوا بذلك أعجب الأمثلة، وأغرب السير.

قال الأعمش: كان مجاهد (١٠٤) لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب لينظر إليها! ذهب إلى حَضْرَمَوْت ليرى بئر برهوت، وذهب إلى بابل وعليه وال، فقال له :مجاهد تعرض عَلَيَّ هاروت وماروت ...؟!.

ذكر ابن حزم عن يحيى بن مجاهد الزاهد قال: كنتُ آخذ كل علم طرفًا، فإن سماع الإنسان قوما يتحدثون وهو لا يدري ما يقولون غمَّة عظيمة، أو كلاما هذا معناه.

وهذا الإمام الدارقطني (۳۸۵) - رحمه الله ـ وهو من هو تضلعا في علوم الحديث والفقه والقراءات، إلا أنه كان حُفَظَةٌ للأخبار والنوادر والحكايات .

قال الأزهري: كان الدارقطني ذكيًّا، إذا ذكر شيئا من العلم (أي نوع كان) وجد عنده منه نصيبا وافرا، لقد حدثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع الدارقطني دعوة، فجرى ذكر الأكلة، فاندفع الدارقطني يورد نوادر الأكلة حتى قطع أكثر ليلته بذلك! .

وقال الإمام محمد بن عبد الباقي الأنصاري (٥٣٥) عن نفسه: حفظت القرآن ولي سبع سنين، وما من علم في عالم الله إلا وقد نظرتُ فيه، وحصلت منه بعضه أو كله.

ولما أُسر في أيدي الروم قيدوه، وجعلوا الغل في عنقه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلَّم منهم الخط الرومي .

وما سيرة ابن حزم (٤٥٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (۷۲۸) ، وابن الوزير (٨٤٠) عنا ببعيد، وما خلفوه من تراث خَيْر حافظ على ذلك وشهيد.

ولا ريب أن هذا التنوع المعرفي لم يتأت من فراغ وبطاله؛ ولكنه جمع بطول الشهر، واغتنام العمر، ومنادمة الكتاب والاستغناء به عن الصحاب والأحباب .

علماء يعرفون علومًا لا يعرفها أهل عصرهم

إن تَعْجَب فَعَجَبٌ ما وجدته في تراجم بعض العلماء وما ذُكر مـ سعة اطلاعهم وتنوع معارفهم، بل تصريح جماعة منهم بمعرفتهم لعلوم لا يعرفها أهل عصرهم، بل لا يعرفون أسماءها !!.

كان ابن الخشَّاب النحوي الحنبلي ت (٥٦٧) يقول : إني متقن في ثمانية علوم مايسألني أحدٌ عن علم منها، ولا أجد لها أهلاً !.

وكان أبو البقاء السُّبكي ت (۷۷۷) يقول : أعرف عشرين علما، لم يسألني عنها بالقاهرة أحد !! .

وقال محمد بن أبي بكر بن جَماعة ت (۸۱۹): أعرف خمسة عشر علما، لا يعرف علماء أسماءها ! .

ويُروى أن محمد بن أحمد بن عثمان بن عليم المالكي ت (٨٤٢) قال: أعرف عشرين علمًا ما سُئلت عن مسألةٍ منها !! .

وكان أحمد بو نافع الفاسي ت (١٢٦٠) يقول: عندي أربعة وعشرون علما، لم يسألني عنها أحد!!.

وفي ترجمة أبي الطيب عبد المنعم الكندي ت (٤٣٥)، حكي بعضُهم أنه دخل عليه ؛ فوجَدَه ينظر في اثني عشر علما، وكان له حظ من الحساب والهندسة والعلوم القديمة.

ذكر الجبرتي المؤرخ عن والده العلامة حسن الجبرتي الكبير ت (۱۱۸۸) من تفتنه في علوم الشرع، ثم اعتكافه عشر سنوات (١١٤٤ - ١١٥٤) لدراسة (العلوم التجريبية) من الهندسة والكيمياء والفلك والصنائع الحضارية كلها؛ حتى النجارة والخراطة والحدادة والسَّمْكرة والتجليد والنقش والموازين حتى صار بيته زاخرا بكل أداة في صناعةٍ وكلُّ آلةٍ.

قال الماوردي في أدب الدنيا والدين وهو يرشد الطالب : ولا يقنع من العلم بما أدرك؛ لأن القناعة فيه زهد، والزهد فيه ترك، والترك له جهل ! .

قال بعض الحكماء : عليك بالعلم والإكثار منه؛ فإن قليله أشبه شيء بقليل الخير، وكثيره أشبه شيء بكثيره، ولن يعيب الخير إلا القلة، فأما كثرتُه فإنها أُمنية» اهـ.

ومن فوائد الاستمرار في طلبه ودوام التزيد منه ماذكره ابن الجوزي في صيد الخاطر قال: أفضل الأشياء التزيد من العلم، فإنه من اقتصر على ما يعلمه فظنّه كافيًا اسْتَبَدَّ برأيه وصار تعظيمه لنفسه مانعا من الاستفادة والمذاكرة تبين له خطأه .

علي بن محمد بن حسين العمران
شارك المقال