بين ركام الورق، وعلى المكتب الذي طالما قلب فوقه صفحات الكتب، وعبر بعينيه بين السطور يشد رحله من بلد ليسافر إلى آخر، ويترك فكرة ذاهبًا إلى أخرى...
بادره عقله يسأله.. "لماذا تقرأ؟"
فأخذ يركض بين محفوظاته ليجيب.. فلا يجد الإجابة، وينادي... فلا تجيب العبارة.. ويحاول جاهدًا أن يستحضر فلا تسعفه الذاكرة
حتى أدركه العجز.. ولجأ إلى الأديب ليجيب عن سؤاله
فماذا قال الأديب؟ وبما أجاب؟
سأل المازني فأجابه:
"لأن المرء لا يستطيع وحده أن يعلم كل علم، ويفكر كل فكر، ويحس كل إحساس، ويجرب كل حالة، ويكابد كل امتحان، فلا غنى له بالطبع عن الاطلاع على ما عند الغير؛ ليكمل نقصه، ولو وسعه أن يستغني لاستغنى، ولكن ذلك لا سبيل إليه"
ثم أضاف: "ومزية الكتب أنها تعطيك الخلاصة، وتعفيك من عناء التجريب ومشقة الامتحان، والقارئ لا يدري ماذا كلفت صاحبها الأبياتُ القليلة من الشعر أو السطور المعدودات من النثر، وذلك من حسن الحظ؛ فإن المرء ليعجز أحيانًا عن احتمال ما يكابد فكيف لو كان عليه أن يحتمل فوق ذلك معاناة الناس جميعًا؟!"
أما الأديب عابر السبيل.. فقد كان لا يقرآ إلا دوائر المعارف والموسوعات، وحينما سئل عن الدافع إلى ذلك قال: "إن هذه الموسوعات تشتمل على خلاصة معارف الإنسان، وأنه لما كانت فسحة الأجل قصيرة...
وفرص الفراغ من الأعمال قليلة ضئيلة....
ولما كنت مع ذلك أشعر بشره عقلي إلى المعرفة، ورغبة ملحة في الفهم، اجتزأت بدوائر المعارف من عامة وخاصة، وبودي لو تيسر لي أن أقرأ كل ما سطرت يد الإنسان"
وأما الأديب المتفكر فقال: "أنا أقرأ لأني أحب الحياة، والقراءة فيما أحس تطيل حياتي وتوسع رقعتها، وترحب آفاقها. فأنا قرأ عن الأفلاك؛ لأني أحب أن أسبح بخيالي بين النجوم، وأقتحم صحراوات الفضاء المرعبة التي تكتنفها، وأقرأ عن طبقات الأرض لأتعقب حياتها على مدى الأدهار"
أما عن الأديب دارس الاجتماع فقال: "أنا أقرأ طلبًا للذة مستفادة من الاطلاع على خواطر الناس وآمالهم ومطامحهم وأوهامهم وأحلامهم، وأجد فيما أقرأ تعبيرًا أتم وأوفى عما يضطرب به صدري ويدور في نفسي وتنقصني القدرة على تصويره".
وسأل آخرين من الناس فوجدهم يقرأون ليكونوا أقدر على اكتساب أرزاقهم، أو لأن القراءة عندهم من ضرورات الحياة، والحياة لا تطاق بغير الكتب، أو لأن لهم رغبة ملحة في معرفة الحياة وفهمها بكل ما انطوت عليه من عواطف وتجارب
وآخرين يقرأون لأنهم يريدون أن يعلموا كيف يتلقى الناس الحياة، ويواجهون مسائلها، ويعالجون مصاعبها وشدائدها، ويشقون طريقهم إلى غاياتهم المختلفة.
هذا وقد تمت له الإجابة، واستراحت نفسه لها.. فماذا عنك أنت؟
للاستزادة راجع
- مقال: ماذا تقرأ؟ ولماذا تقرأ؟ - المازني
- محاضرة: القراءة – المازني
- مقال: لماذا هويت القراءة – عباس العقاد